الشيخ محمد هادي معرفة
427
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
كانوا سألوا عن الهلال ما باله يبدو دقيقا ثمّ لا يزال يزداد حجما حتى يكتمل بدرا ، ثمّ يعود شيئا فشيئا حتى يصير كما بدأ ؟ فأجيبوا بما في الآية تنبيها على أنّ الذي ينفعهم وهو أهمُّ بحالهم ، ويكون وفق إدراكهم هو هذا ، لا الذي سألوه . وقوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ » . « 1 » سألوا عن الذي ينفقونه ، فأجيبوا ببيان مصارف الإنفاق ، تنبيها على أنّ المهمّ هو معرفة موضع الإنفاق ، أمّا الذي يجب أن ينفق فهو خير ماتيسّر ، من أيّ جنس كان . لأنّ النفقة لايعتدّ بها إلّا أن تقع موقعها . وكلّ ما فيه خير وصلاح فهو صالح للإنفاق . ومن ثمّ ختمت الآية بنوايا صاحب الإنفاق وأنّ اللّه عليم بذات الصدور . « 2 » الاستدراج وسمّاه بعضهم « مجاراة الخصم » ليعثر ، بأن يسلّم له بعض مقدّماته حيث يراد تبكيته وإلزامه ، كمن يجاري الصيد ليستولي عليه ويقبضه . قال ابن معصوم : هو إرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته وإفحامه ، وهو من مخادعات الأقوال والتصرّفات الحسنة التي هي من السحر الحلال ، حيث يُسمعه الحقّ على وجه لايُغضبه . كقوله تعالى : « لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ » ، « 3 » لم يقل عمّا تجرمون احترازا عن التصريح بنسبة الجرم إليهم واكتفاء بالتعريض فيقوله : « عَمَّا أَجْرَمْنا » . لئلّا تأخذهم الحمية الجاهلية والأنفة ، وليتفكّروا في حالة أنفسهم وحالة من خالفهم في العمل ، إن صلاحا أو فسادا ، فيدركوا بالتأمّل ما هو الحقّ منهما . « 4 » وقد فصّل الكلام في ذلك ابن الأثير ، وعقد له بابا استخرجه من كتاب اللّه وشرحه
--> ( 1 ) - البقرة 215 : 2 . ( 2 ) - راجع : أنوار الربيع ، ج 2 ، ص 209 و 210 . ( 3 ) - سبأ 25 : 34 . ( 4 ) - أنوارالربيع ، ج 6 ، ص 62 - 63 .